أنت عارف الإجابة، بس نسيت تسأل قلبك
إزاي تاخد أصعب القرارات في حياتك من غير ما تفكر زيادة
فيه نوع من القرارات بيوقّفك. مش لأنه صعب، لكن لأن الخيارين اللي قدامك منطقيين. الاتنين ليهم أسباب مقنعة، الاتنين ليهم مبرر، وإنت قاعد تقلّب وتفكّر وتعمل قايمة مكاسب وخسائر... ووسط كل ده مش بتقدر تستقر على واحد فيهم. الحالة دي بتستنزفك أكتر من أي قرار صعب.
وعشان تفهم ليه، خليني أشاركك حاجة غريبة:
فيه ناس عبقرية، ذكاء عالي، بتحل مسائل معقدة في ثواني... لكن لو قلتلهم يختاروا بين وجبتين غدا، ممكن يقعدوا ساعة كاملة ومايقدروش يقرروا. تفتكر ليه؟
الحقيقة إن كل قرار بتاخده حتى اللي إنت متأكد إنه عقلاني ومنطقي ١٠٠٪ وراه إشارة صغيرة من جسمك بتقول «نعم» أو «لأ» قبل ما تختار. الإشارة دي هي اللي بتحسم. ولو اتقطعت، إنت مش هتعرف تختار حتى بين قميصين.
دلوقتي هنفهم مع بعض ليه أنجح الناس بيثقوا في الإشارة دي أكتر من المنطق نفسه... وإزاي ترجع تنشّط حواسك عشان تستقبلها في أكتر الأوقات اللي بتكون فيها محتار بين أكتر من اختيار. المقال ده مهم جداً ليك لو إنت من الأشخاص اللي بيعتمدوا اعتماد كامل على التحليل المنطقي في اتخاذ القرارات، ومع ذلك مش سعيد في حياتك ولا حاسس بقيمة الإنجازات اللي حققتها لحد دلوقتي.
العقل خادم جيد وسيد فاشل
إحنا اتربينا على فكرة إن القرار الصح هو أكتر قرار منطقي.
وإن المشاعر شيء غير ناضج، لازم تشيلها من المعادلة عشان تفكّر صح. كلنا سمعنا النصيحة اللي بتقول «خلي مشاعرك على جنب وفكّر بعقلك.»
الكلام ده غير صحيح، وهثبتلك بالعلم.
د. أنطونيو دامازيو، من أشهر علماء الأعصاب اللي اشتغلوا على العلاقة بين العقل والعاطفة من الناحية التشريحية، درس مجموعة مرضى حصل عندهم تلف في جزء معيّن من الدماغ — الجزء اللي بيربط الدماغ المفكر بالدماغ العاطفي.
الناس دي ذكاؤهم ظل كما هو. منطقهم سليم. قدراتهم التحليلية لم تتأثر. بس حصلهم حاجة واحدة: بقى صعب جداً عليهم ياخدوا أي قرار. تخيّل تعرض على واحد فيهم يختار بين وجبتين، فيقعد ساعة كاملة يقلّب في المميزات والعيوب ومايقدرش يختار!
عشان من غير الإشارة العاطفية، العقل بيكتشف إن كل الخيارات ممكنة بالتساوي. مافيش أي مدخل حسي من الجسم يرجّح كفة اختيار على التاني. كل الاحتمالات واقفة في صف واحد، ومحدش فيهم بيقول «أنا». دي اللحظة اللي لازم نوقف عندها عشان نفهم ايه اللي بيحصل.
العقل بيعرف يحلّل، بس هو لوحده مش بيعرف يقرر. اللي بيقرر هو الإشارة اللي طالعة من قلبك للدماغ العاطفي، ومن الدماغ العاطفي للقشرة الجبهية اللي هي مركز التفكير. الإشارة دي لو بتتكلم هتقول: «أنا أريد هذا الاختيار أكثر من غيره».
دامازيو سمّى الإشارة دي «فرضية العلامة الجسدية» Somatic Marker Hypothesis. معناها ببساطة إن جسمك بيعلّم الخيارات بإشارات حسية، كأنه بيحط لون أخضر على واحد وأحمر على التاني، عشان عقلك يعرف يختار.
الإشارة دي معروفة كمان بـ«الحدس الشخصي». هي الـ«نعم» أو الـ«لأ» اللي بتطلع من جواك من غير كلام. وغالباً مش بتقدر تفسرها، وأحياناً بتكون عكس المنطق والناس تستغرب من قرارك وتغلّطه، لكن إنت من جواك تبقى مستريح جداً ومطمّن. وهي نفس الإشارة اللي بتخليك تقلق من شخص معين أو تطمّن له وإنت مش عارف ليه، وغالباً بتكتشف بعدين إن حدسك الشخصي كان صح.
الحدث الشخصي في ريادة الأعمال
كل رواد الأعمال البارزين عارفين الكلام ده، ويتخذوا أهم قراراتهم بالحدس الشخصي، وده عكس اللي معظم الناس فاكراه، وهو إن الشخص الناجح بيعتمد على المنطق طول الوقت. شخصيات عالمية معروفة زي جيف بيزوس مؤسس Amazon، وإيلون ماسك مؤسس Tesla، ليهم لقاءات مسجلة تقدر تحضرها أونلاين وهما بيأكدوا إنهم بيتخذوا أهم وأخطر قراراتهم بالحدس الشخصي.
لما المحاور سأل إيلون ماسك في مؤتمر الحكومات اللي انعقد في دبي ٢٠١٧ عن الطريقة اللي بيختار بيها موظف جديد في فريقه، رد بدون تفكير وقال Gut feeling، واللي معناها الحدس الغريزي أو الشخصي. ولما جيف بيزوس اتسأل نفس السؤال عن الطريقة اللي بيتخذ بيها أهم قراراته، رد بدون تفكير وقال نفس الكلام. ومؤخراً كنت بحضر مقابلة لدكتور شرين حلمي، نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات فاركو للأدوية، في برنامج GTalks، لما اتسأل «إنت بتاخد قراراتك بقلبك ولا بعقلك؟» بدون حتى ما يفكر في الرد قال «بقلبي».
من كام سنة جالي عرض عمل براتب ومزايا أكبر بحوالي ٥٠٪، وكنت قربت أحسم القرار بالقبول، لكن كان جوايا إحساس غير مريح، وكان معايا مهلة ٤٨ ساعة عشان أوافق أو أرفض. كلمت مديري السابق عشان أفكر معاه وأسمع نصيحته. وأنا بتكلم معاه سألني عن طبيعة العمل. وأنا بشرح له متطلبات الوظيفة بشكل طبيعي، جيت عند نقطة واحدة وحسيت بضيق في الصدر وأنا بقول له إن ٦٠٪ من الوقت هيكون سفر في منطقة الخليج. اكتشفت ساعتها إني بقدّر جداً الاستقرار والوقت اللي بقضيه مع أسرتي، وإن سفري المتكرر وبُعدي عنهم هيخليني غير سعيد.
مش ده الغريب. الغريب هو إني بمجرد ما بدأت أنتبه للإشارة دي، اكتشفت مشاكل تانية وسلبيات أنا أصلاً ما كنتش شايفها، كأن الدماغ المفكر فجأة حسم التردد وبقى بيوريني الحاجات اللي بتدعم صحة الإشارة الحسية اللي طالعة من قلبي. رفضت عرض العمل في نفس اليوم بدون تردد، لأن النجاح اللي مافيهوش مكان للقلب هو نجاح التعساء في هذه الحياة.
القلب بيرسم الصورة، والعقل بينفّذها
معظم الناس سابت العقل يقوم بكل الأدوار. بيختار الطريق الآمن، الشغل المناسب، الشريك المنطقي. وبعدين يستغربوا ليه مفيش شغف، مفيش معنى، مفيش سكون واستقرار. بيقعدوا سنين يبنوا في حياة كل شيء فيها محسوب بالمنطق، وفي الآخر يكتشفوا إن مافيهاش مكان للقلب. يبقى معاهم فلوس وجواهم فراغ، حواليهم ناس كتير وحاسين بالوحدة، واصلين لأعلى المناصب ومش حاسين بقيمتهم. ده لأن اللي بتحققه بالمنطق وحدة مش بيكون فيه مكان لقلبك. وعشان كده ممكن تكون ناجح في نظر الناس، وفاشل في نظر نفسك.
والكلام ده مش معناه خالص إن المنطق مش مهم. بالعكس، زي ما التفكير وظيفة العقل، الشعور وظيفة القلب. والقرار الواعي الحقيقي هو القرار اللي بيجتمع عليه قلبك وعقلك مع بعض، مش واحد على حساب التاني.
إزاي تسمع لـ «حدسك الشخصي»
التحليل حاجة عظيمة ومطلوبة. دراسة الخيارات وتقييم المكاسب والخسائر من الأمور البديهية في اتخاذ أي قرار سليم. لكن التحليل مرحلة في عملية حسم القرار. أكتر ناس بتتعطّل هي اللي واقفة في مرحلة التفكير والتحليل، ومستنية المنطق يديها يقين... واليقين ده مش بييجي من المنطق أصلاً.
دي الخطوات اللي بترجّعك لحدسك الشخصي:
١. ابعد مؤقتاً بعد التفكير والتحليل
افصل بين مرحلتين: مرحلة إنك تجمع المعلومات وتحلل، ومرحلة إنك تقرر. اعمل التحليل بضمير، قيّم الخيارات المتاحة، اكتب مزايا وعيوب كل خيار، وبعدين سيب الورقة. ابعد شوية. اطلع اتمشى لوحدك، خليك حاضر مع قلبك، لأنك مش هتشعر بالإشارة اللي طالعة من قلبك لو كنت محبوس جوّه دماغك. الإشارة دي هي اللي هتساعدك تحسم قرارك.
٢. لاحظ الإشارة اللي في جسمك
الجسم بيتكلم، بس كل واحد لغته مختلفة. عند ناس بيكون انقباض في الصدر. عند ناس خفّة وراحة. عند ناس ضيق في النَفَس أو تقل على القلب. أول مرة، اقعد لاحظ: لما تفكّر في الخيار ده، جسمك بيعمل إيه؟ مش لازم تفهمه بعقلك، المطلوب تشعر بالطاقة اللي في جسمك.
٣. تحوّل من «التفكير» لـ«الشعور»
دي أهم نقطة تحول في الموضوع كله. لو قدامك خيار منطقي وخيار غير منطقي، التفكير بيحل الموضوع في لحظات. لكن لما يكون قدامك خيارين الاتنين أحسن من بعض، الاتنين ليهم مبررات، بطّل تدوّر على دليل منطقي إضافي، مش هتلاقيه. لو فكرت أكتر هتحتار أكتر، وهتفضل واقف مكانك خايف تحتار واحد وتضحي بالتاني. هنا مهم تعرف إن القلب لازم يتدخل. اسأل نفسك سؤال واحد: أنا مرتاح لأنهي واحد فيهم أكتر؟
٤. استخدم الاستخارة كتقنية
صلاة الاستخارة من أعظم الأدوات اللي ممكن تستعملها هنا. هي بتعمل حاجة دقيقة جداً: بتنقل وعيك من التفكير للشعور. بتطلع من دوامة «أفكّر أعمل إيه» لحالة تسليم وسكون، وفيها بتسمع قلبك أوضح. مش شرط تشوف منام ولا علامة كبيرة. أحياناً الإشارة بتكون مجرد ميل هادي وراحة ناحية اتجاه معيّن.
٥. استقبل الاشارة في القرارت الصغيرة
لو اتعودت سنين تطنّش قلبك، الإشارة بتبقى ضعيفة، مش مقطوعة. زي عضلة ما اشتغلتش من زمان. ابدأ مرّنها في القرارات الصغيرة: تاكل إيه، تقعد فين، ترد على المكالمة دلوقتي ولا بعدين. كل مرة بتسمع الإشارة وتمشي وراها، بتقوى. ولما تيجي القرارات الكبيرة، هتلاقي إنك قادر تستدعي حدسك الشخصي بسهولة، وقادر تلقط الإشارة بوضوح أكتر.
في الآخر، إنت مش مطلوب منك تختار بين عقلك وقلبك. دي مش معركة. عقلك بيحلّل ويرتّب ويحسب كل تفصيلة، وقلبك بيحسم ويقول «أنا مع الخيار ده». والحياة اللي إنت سعيد فيها فعلاً هي الحياة اللي فيها مكان لقلبك. خليك فاكر إن القلب هو الملك الحكيم، والعقل هو الوزير المخلص اللي بيخدم الملك. الانسجام بينهم شرط أساسي لاتخاذ قرارات واعية وتحقيق الازدهار الشخصي.
ده كل اللي حبيت أشاركه معاك، لحد ما نلتقي في مقال جديد إن شاء الله.



مش متأكدة من قصدهم بإنهم ياخذوا القرارات المهمة بقلبهم. يمكن هو مجرد اختلاف بالتعبير. لأنه غالباً هم ما أخذوها بدون معلومات، والموظف اللي قابله أحدهم قابله بعد تحقيقه لشروط معينة. وزي ما قال بعض الباحثين إن الحدس هو غالباً معالجة سريعة لاواعية للمعلومات وتمييز لأنماط خزنها الدماغ عن الناس ومن تراكم خبرات التجارب الحياتية. فبحس إنه التفكير واتخاذ القرار هو عملية واحدة متكاملة بين التفكير المنطقي والعاطفي الواعي واللاواعي، واللاواعي نفسه مبني على معلومات و على خبراتنا وأحكامنا السابقة ومخاوفنا. فمهم زي ما حضرتك ذكرت إنه نستغل الحدس أو الشعور عشان يعطينا ملخص سريع قبل عملية التحليل أو بعد (اللي أحيانا بتفكك مصدر الحدس)، ومهم كمان نفرق بينه وبين الشعور الخطأ الناتج عن خوف أو قلق أو حكم خطأ على نفسنا أو على الناس أو على موضوع معين، لكن صعب جداً إنه حد يكون متأكد إنه شعوره حدس صافي مش متأثر برد فعل نفسي وعاطفي خاطئ. وبالأخير تأتي الاستخارة للإقرار بالضعف البشري ولتفويض الأمر والاختيار لرب العالمين.