من قلبي لقلبك، علم غير متداول
الانسان علي نفسه بصيرة ولو القي معاذيره
فيه نوع من الناس مش بيتكلم عنهم حد. ناس عندهم وعي، وعندهم اجتهاد، وعندهم إمكانات حقيقية. قارئين كتب، حاضرين كورسات، عارفين الأهداف، عاملين خطط، شارين أجندات. ومع ذلك بيلاقوا نفسهم — كل سنة، كل شهر، كل أسبوع — في نفس النقطة. واقفين في مكانهم. مش بيتقدموا. ومش فاهمين ليه.
لو إنت من الناس دي، فإنت محتاج تعرف حاجة في الأول: المشكلة مش فيك. ومش في خططك. ومش في عدد المهام اللي عندك. المشكلة في حتة عميقة جداً، اتعلمنا نتجاهلها، وعشان كده بقت بتفصلنا عن نفسنا من غير ما نحس.
المقال ده هيمشي معاك خطوة بخطوة في فهم الفجوة دي، وفي إزاي تعدّيها. الأفكار اللي جواه طُرحت في جلسة كوتشنج جماعية مع ناس في نفس مكانك بالظبط. وأنا قاعد أكتب لك المقال ده عشان يبقى عندك المفاتيح كلها، مرتبة، عشان تطبّقها في حياتك.
الغلطة الجوهرية: إنك بتحاول تحل مشكلة شعورية بأداة معرفية
الإنسان فيه شقين. شق معرفي وظيفته إنه يفكر، يحلل، يخطط، ياخد قرارات. وشق شعوري وظيفته إنه يحس، يستحضر الطاقة، ويحرّك السلوك. الناس اللي بيقفوا في نص الطريق، عندهم مشكلة واحدة بس: بيعتمدوا على الشق المعرفي اعتماد كامل، وبيهملوا الشق الشعوري كأنه حاجة ثانوية أو غير منطقية.
وعشان كده بتقعد ساعات تخطط، وبتحل تحدياتك بتحليل أعمق، وبتقرا كتاب جديد، وبتسمع كورس رابع، وفي النهاية مفيش حاجة بتتحرك. عارف ليه؟ لأنك أصلاً بتشتغل على الجبهة الغلط.
في علم الأعصاب، فيه عالم اسمه د. أنطونيو داماسيو (Antonio Damasio)، شغل عمره كله في إنه يفهم العلاقة بين العاطفة وصناعة القرار. وطلع بنتيجة بتقلب كل اللي اتعلمناه: العاطفة هي اللي بتقود السلوك بنسبة قريبة من ١٠٠٪ من الوقت. والعقل بيجي بعدها يفسّر اللي حصل ويطلع باستنتاجات جديده.
العقل لن يُنفِّذ. اللي بينفّذ هو السلوك. والسلوك آلة، ووقودها المشاعر. فلو الوقود ناقص — مش مهم الآلة فاخرة قد إيه، مش هتمشي. لو عندك فراري ومافيش وقود مش هتقدر تروح بيها اي مكان.
يعني أي خطة، مهما كانت دقيقة، لو مش معاها تفعيل شعوري للطاقة المرتبطة بيها، هتفضل حبر على ورق. وأي هدف، مهما كان منطقي، لو قلبك مش حاسس بيه، عقلك ممكن يقتنع بيه ألف مرة، ومش هتتحرك خطوة.
مملكة جواك: القلب ملك، والعقل وزير
علماء التزكية القدامى — زي ابن القيم والإمام الغزالي — وصفوا الإنسان من ألف سنة بإنه مملكة. القلب ملك، والعقل وزير، والجوارح جنود. لما يمرض الملك، الوزير بيعجز عن تدبير المملكة مهما كان فاهم وذكي وعنده خطط. والجنود بتقف، أو بتتحرك حركة عشوائية بدون اتجاه.
والمدهش إن العلم الحديث جه وأكد الكلام ده تماماً. اكتشفوا إن في القلب أكتر من أربعين ألف خلية عصبية. أربعين ألف. ده مش رقم رمزي — ده عدد كافي يخلي القلب “يفكّر” بطريقته الخاصة. بيستقبل، وبيحلل، وبيرسل إشارات للدماغ أكتر مما بيستقبل منه.
بس إحنا، في حياتنا اليومية، عاملين عكس الترتيب الطبيعي. مقدّمين الوزير على الملك. بنخطط من غير ما نسأل القلب موافق ولا لأ. بناخد قرارات بالعقل، وبعدين بنستغرب ليه الجوارح مش بتنفّذها. بنكتب أهداف منطقية، وبنقول لنفسنا “المنطق ده سليم، يبقى لازم نمشي عليه”، وبعدين نلاقي إن جوه فيه حاجة بترفض، بس مش عارفين نسميها.
وفي القرآن الكريم ربنا بيقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وفي آية تانية: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾. لاحظ معايا — ربنا ما قالش “لا يعقلون او لا يفكرون”. قال “لا يشعرون”. لأن البصيرة بتتفتح من الشعور، والشعور وظيفة القلب مش العقل.
الفرق بين الإحساس والشعور والعاطفة — وقاعدة الـ ٩٠ ثانية
قبل ما نكمل، محتاج أعرّفك تلت مصطلحات بنخلط بينهم طول الوقت، والخلط ده هو سبب نص اضطرابنا الداخلي:
الإحساس (Sensation): ده رد فعل آني على مدخل حسي — حاجة شفتها، سمعتها، لمستها. بيحصل في جزء من الثانية، وما بيحصلش إلا لما يبقى فيه مثير مادي حقيقي.
الشعور (Feeling): ده الموجة اللي بتيجي بعد الإحساس على طول. خوف، حزن، غضب، فرح. والحاجة اللي محدش قالهالك: أي شعور، لو سبته يتدفق طبيعي من غير ما تتدخل بعقلك، دورته الكاملة — صعود ونزول — ما بتتعداش ٩٠ ثانية. تسعين ثانية بس. بعدها بيروح من نفسه.
العاطفة (Emotion): دي الطاقة الشعورية اللي اتخزنت في جسمك من مواقف قديمة، ما سُمحلهاش وقتها تتدفق وتطلع. الطاقة دي ما بتختفيش — بتفضل مدفونة في “الدماغ العاطفي”، وبتنفجر كل ما يجي مثير شبيه بالموقف القديم، مهما كان المثير صغير.
قاعدة لازم تحفظها:
أي انفعال أعلى من مستوى الحدث، دليل قاطع على وجود طاقة عاطفية متخزنة من الماضي. الموقف الحالي مجرد لمسة على جرح قديم.
فلما بتلاقي نفسك بتعصب على حاجة صغيرة، وبعدين تقعد تقول لنفسك “إيه اللي حصل لي؟” — اعرف إن اللي حصل مش ضعف، ومش قلة صبر، ومش مشكلة أخلاقية. ده صدى لشعور قديم ما قدرتش تعبّر عنه.
والمشاعر الأصلية اللي كل المشاعر التانية بتتفرع منها أربعة بس: الخوف، الغضب، الحزن، السعادة. وكل ما عداهم تركيبات ومشتقات. لما تفهم ده، بتبقى علاقتك بمشاعرك أبسط بكتير.
ليه طاقتك متخزنة من زمان: قصة الطفل اللي اختار الأمان
كل طفل بيتولد وعنده حاجتين فطريتين، مفيش غيرهم:
Keep reading with a 7-day free trial
Subscribe to Mohamed Shabka to keep reading this post and get 7 days of free access to the full post archives.


