اعمل أقل: إطار للخروج من حالة الانجاز الوهمي
٩٠ دقيقة تركيز حقيقي في اليوم، كل يوم، هتغير مسار شغلك في ٣ شهور أكتر من ١٤ ساعة انشغال وهمي يوميا لمدة ٣ سنين
كنت بفتخر اني بشتغل ١٤ ساعة في اليوم ودايما مشغول. كنت بعتبر ده الثمن اللي بدفعة عشان احقق نجاح مالوش مثيل. كنت متعلق بصورة الشاب المجتهد اللي بيسهر علي شغله، أول واحد يوصل وآخر واحد يمشي. كنت بلبسها زي بدلة فخمة قدام المراية واقول لنفسي “إنت بتعمل اللي عليك”. “انت مجتهد”
بس بطلت اضحك علي نفسي.
الحقيقة اللي كنت مخبيها عن نفسي سنين: معظم الساعات دي كانت مشغولة بحاجات مش مهمة. تنضيف الإيميلات. تنظيم الملفات. الاستماع لمحاضرات وقراءة كتب فاكر اني هحتاجها قدام. أي حاجة تخليني مشغول وتدي إحساس كاذب بالإنجاز، وفي نفس الوقت تحميني من المهمة الوحيدة اللي مرعوب منها.
المهمة اللي لو اشتغلت عليها ساعتين بتركيز حقيقي كل يوم، كانت هتفرق في شغلي وحياتي أكتر من ١٤ ساعة من الانشغال الوهمي. المهمة اللي كنت بتحجج اني مشغول ومعنديش وقت كافي ليها. اني هعملها بعدين لما الظروف تسمح. بس الزمن والتجارب اثبتت لي اني كنت ببساطة خايف ومعنديش الشجاعة الكافية.
ليه بنهرب من الشغل الحقيقي؟
الشغل الحقيقي صعب. بس مش صعب من ناحية تقنية، صعب من ناحية نفسية.
الشغل الحقيقي بيخليك تواجه احتمالية الفشل. الشغل الحقيقي مافيهوش ضمانات. الشغل الحقيقي معناه إنك هتقعد قدام شاشة فاضية أو ورقة بيضا ومفيش حاجة تضمنلك إن اللي هيطلع منك هيكون كويس او مفيد.
أما الانشغال الوهمي بيكون دايما في حاجات مضمونة. انت عارف تعمل إيه وبتعمله من غير تفكير. بيديك إحساس إنك منتج من غير ما يعرضك لأي خطر نفسي. مافيش مخاطرة. النتائج متوقعة.
أنا سميت الحالة دي “درع الانشغال الوهمي”. هو الدرع اللي بتحطّه بينك وبين المهمة الحقيقية عشان تحمي نفسك من الخوف، بس في نفس الوقت بيمنعك إنك توصل لأي حاجة تستاهل.
الانشغال الوهمي ده آلية دفاعية ذكية جدا. مخك مش عايزك تتأذي، فبيختارلك الحاجات اللي تخليك مشغول من غير ما تتعرض للرفض أو النقد أو الفشل. المشكلة إن الحماية دي هي اللي بتخليك واقف في مكانك. بتتعلم وبتنتج ويمكن مهاراتك بتزيد، ادائك بيطور.. لكن حياتك مافيهاش جديد. لانك بتحسن فقط ما هو قائم بالفعل. التركيز هنا بيكون علي التحسن وليس النمو.
المشكلة الحقيقية بتظهر لما تشوف قد ايه انت اصبحت متمكن، وعندك علم ومهارات متقدمة، والناس حواليك بتشهد بالكفاءة والتميز اللي وصلت له، وتشعر انه حان الوقت انك تعمل حاجة اكبر تليق بمستوي القدرات والامكانيات اللي عندك. بتفكر فعلا في اكتر من حاجة كلها جديدة عليك وغير مضمونة او متوقع نتائجها فتصطدم بالمألوفة والمتوقعة عشان تبقي مشغول، ولما تبقي مشغول بيكون عندك مبرر منطقي يخليك تأجل العمل الحقيقي اللي انت في الاصل خايف منه.
الاعتراف بالخوف هو بداية الخروج من حالة الانشغال الوهمي والدخول في حالة النمو الحقيقي. الخطوات اللي بشاركها معاك دلوقتي هتساعدك بشرط واحد انك تكون صادق مع نفسك.
٥ خطوات لكسر درع الانشغال
١. تدقيق المهمة الواحدة
فيه حاجة واحدة انت عارف إنك بتتهرب منها. مش محتاج تفكر كتير. اسأل نفسك بصراحة: “إيه المهمة اللي لو خلصتها، كل حاجة تانية هتتسهل؟”
لما تسأل السؤال ده، الإجابة هتيجي فورا. غالبا المهمة دي هي اللي بتأجلها من أسبوع، أو شهر، أو يمكن سنة. هي اللي بتطلع من دماغك قبل ما تنام وبتصحى عليها الصبح. هي اللي بتحس بتأنيب ضمير كل ما تفكر إنك مشتغلتش عليها.
اكتبها علي ورقة. مهمة واحدة بس. اللي بعد كده كله تفاصيل بتخليك مجرد شخص مشغول.
٢. اختبار الساعة الأولى
أول ساعة في يومك هي المرآة الحقيقية لأولوياتك.
مش بقصد اللي بتقول انك في اول ساعة. بقصد اللي بتعمله فعليا في اول ساعة.
لو أول ساعة في يومك بدأتها بالإيميلات والسوشيال ميديا والمهام السهلة، فانت مش بتشتغل علي المهم. انت بتهرب من بداية اليوم. والمشكلة إن أول ساعة بتحدد مسار باقي اليوم كله.
جرب بكرة: أول ٦٠ دقيقة من يومك، قبل ما تفتح أي حاجة تانية، اقعد مع المهمة الواحدة اللي كتبتها. بس ٦٠ دقيقة. مش لازم تخلصها. المهم تبدأها والمخ فريش قبل ما تستهلك طاقتك في المهام الثانوية.
٣. فحص الانزعاج
فيه اختبار بسيط يفرّقلك بين الشغل الحقيقي والانشغال الوهمي:
الشغل اللي بتعمله وانت مرتاح نفسيا، غالبا مش هو الشغل اللي محتاج تعمله.
الشغل الحقيقي بيكون مصحوب بإحساس بسيط بعدم الراحة. مش رهبة، لكن زي توتر خفيف في بطنك، مع شوية ضغط. الإحساس ده مش دليل إنك في الطريق الغلط، ده دليل إنك بتعمل حاجة خارج حدود منطقة الراحة بتاعتك. لما الدماغ بيواجه عمل جديد فيه تحدي بيخلي الجسم يفرز مواد كيميائية وناقلات عصبية من ضمنها الكورتيزول عشان كده بتشعر بضغط. النقالات العصبية دي بتساعد الجسم علي استحضار الطاقة ونقلها للخلايا العصبية في الدماغ عشان تنشط. يعني الضغط او التوتر اللي بتحسه في بداية العمل ده جسمك بيتهيأ للعمل ومخك قاعد بيفعل انظمة التركيز والعمل العميق.
التفسير ده يحميك من الخطأ اللي معظم الناس بتعمله. الناس بتهرب من الحالة دي وبيتركوا العمل المهم ويروحوا للمهام السهلة. بس انت دلوقتي بعد ما فهمت تتقبل حالة الانزعاج وانت عارف انها مرحلة مؤقتة بمجرد ما تنتهي دماغك هينسجم مع العمل مهما كان فيه من التحدي وبعد شوية هتدخل في حالة التدفق او العمل العميق.
لو قاعد بتعمل حاجة ومش حاسس بأي تحدي أو شئ من الضغط، اسأل نفسك: “هل ده فعلا محتاج يتعمل دلوقتي؟ ولا أنا بستخدم درع الانشغال الوهمي؟”
٤. إزالة طرق الهروب
كل واحد فينا عنده ٣ أو ٤ حاجات بيلجألها لما يكون عايز يهرب من الشغل الحقيقي. بالنسبة لي كانت: تنظيم الملفات، الرد علي رسايل مش مستعجلة، وقراءة كتب و مقالات “تطوير الذات” او شراء وحضور كورس جديد بحجة إني بتعلم او بحضر.
حدد إنت إيه الحاجات اللي بتستخدمها كغطاء. وامنعها في أول ٣ ساعات من يومك. مش لازم تمنعها طول اليوم. بس أول ٣ ساعات تكون محمية تماما. مافيش موبايل، مافيش روتين صباحي بياخد ساعة، مافيش تفكير في حاجة حصلت امبارح او قلق من حاجة ممكن تحصل انهاردة. قلل المدة الزمنيه بين اللحظة اللي بتفتح فيها عينك واللحظة اللي بتبدأ فيها العمل المهم علي قد ما تقدر.
لما تمنع طرق الهروب، هتضطر تواجه المهمة الحقيقية في اسرع وقت بعد ما تصحي. مش لأنك بقيت شجاع فجأة. لأنك مابقتش عندك اختيار تاني. ولان طاقتك تسمح.
٥. حرب الـ ٩٠ دقيقة
التركيز الحقيقي مش بيحتاج ١٤ ساعة. بيحتاج ٩٠ دقيقة.
دي مش نصيحة تحفيزية. دي فسيولوجيا. مخك عنده دورات تركيز طبيعية مدتها حوالي ٩٠ دقيقة. بعد كده بيحتاج راحة. الدورة عبارة عن ٤ مراحل بتم خلال ٩٠ دقيقة و ٢٠ دقيقة للتعافي
الكفاح (Struggle) — أول ١٥-٢٠ دقيقة
دي المرحلة اللي معظم الناس بتستسلم فيها، لأنهم بيفسّروا الضغط و التوتر علي انه اشارة للانسحاب او التأجيل لكنه في الحقيقة رسوم الدخول في حالة التركيز العميق: المخ بيحاول يستدعي الطاقة وينشط الخلايا العصبيه عشان يقدر يربط معلومات جديدة بشبكة قديمة، وده بياخد وقت. مفيش تدفق من غير الكفاح ده في الأول.التسليم (Release) — من دقيقة ٢٠ لحد ٣٠
لحظة انتقالية قصيرة، مش هتحس بيها وهي بتحصل. هنا العقل بيوقف “يحاول بالقوة” وبيسيب المعالجة تكمل بشكل تلقائي أكتر. في اللحظة دي انت بتكون بدأت فعليا تدخل في حالة التركيزالتدفق (Flow) — من دقيقة ٣٠ لحد ٩٠
دي المرحلة الأطول والأثمن في الجلسة، ولو حسبتها هتلاقي إنها بتاخد حوالي ساعة كاملة. هنا الأداء بيوصل لأعلى مستوياته بأقل استهلاك للطاقة الواعية، والشغل اللي بيتعمل فيها بيكون جودته اعلى بكتير من أي وقت تاني في اليوم.التعافي (Recovery) — من ١٠-٢٠ دقيقة
دي المرحلة اللي أغلب الناس بتلغيها من حساباتها، وده الغلط الأكبر. الجسم والمخ دفعوا تمن حقيقي في مرحلة التدفق، ولو قفلت الجلسة وفتحت موبايلك او حاولت تدخل على جلسة تانية فورًا من غير ما تدي مخك فرصه للتعافي، هتلاقي إن جلستك الجاية بتبدأ بـ”كفاح” أعنف من الطبيعي.
اتعلمت بدري في مجال التدريب انى لما يكون عندي ورشة عمل او برنامج تدريبي طويل لازم يكون فيه فترات راحة كل ٩٠ دقيقة بحد اقصي Coffee Break لان المتدربين بيبطلوا قادرين يركزوا او يستوعبوا اي معلومة جديدة بعد ٩٠ دقيقة من التركيز. حتي جلسات الكوتشنج بحسب معايير الاتحاد الدولي للكوتشنج مدتها بتتراوح من ٤٥-٩٠ دقيقة بحد اقصي لنفس السبب.
بدل ما تحاول تركز طول اليوم وينتهي بيك الحال مرهق بدون إنجاز حقيقي، جرب ده:
٩٠ دقيقة تركيز عميق على المهمة الواحدة. من غير موبايل. من غير إنترنت لو مش محتاجه. من غير أي مقاطعة. بعدها ٢٠ دقيقة راحة حقيقية (مش تصفح سوشيال ميديا). وبعدين تقدر تعمل اللي انت عايزه باقي اليوم. وبالمناسبة تقدر تدخل في ٣ جلسات عمل عميق بحد اقصي كل يوم بشرط ان تكون بتنام كويس وبتدي مخك وقت كافي للتعافي بعد كل جلسة.
٩٠ دقيقة تركيز حقيقي في اليوم، كل يوم، هتغير مسار شغلك في ٣ شهور أكتر من ١٤ ساعة انشغال وهمي يوميا لمدة ٣ سنين.
لاحظت دلوقتي اني بقالي ٨٠ دقيقة بكتب في المقال. ده شكلي دلوقتي والحرب بتخلص 😃
الخلاصة
الانشغال مش دايما دليل إنك بتتحرك لقدام. أوقات كتير هو دليل إنك خايف تواجه اللي قدامك.
مش محتاج تشتغل أكتر. محتاج تشتغل بجرأة أكتر. الشجاعة إنك تختار مهمة واحدة، تقعد قصادها من غير ما تعرف النتيجة، وتديها اللي تقدر عليه. احتضن الانزعاج والمقاومة لان المهمة اللي بتهرب منها دي مش هتمشي. هتفضل مستنياك كل يوم الصبح. الفرق الوحيد إنك ممكن تفضل تهرب منها كل يوم، أو تقرر النهارده إنك تبطل هروب.
ده كل اللي حبيت أشاركه معاك لحد ما نلتقي في مقال جديد إن شاء الله.




ممتاذ
🤍💯