تعالي اقولك ليه بتحس الناس اتجننت
سبب انتشار المقاطع السخيفة وشهرة اصحابها
عمرك كنت بتقلب في تيك توك أو انستجرام وطلعلك “إنفلونسر” بيعمل حركات غريبة، شوفتها تافهة أو سخيفة، ومع ذلك عنده ملايين المتابعين؟ أو شفت حد من معارفك اللي يادوب حالهم “مستور” رايح يشتري موبايل سعره قد مرتبه 20 مرة وهو أصلاً مديون؟
في اللحظة دي، غالباً بيقفز في دماغك سؤال واحد: “هي الناس دي اتجننت؟”.
بتحس إن الدنيا اتقلب حالها، وإن المنطق لم يعد له وجود.. وممكن كمان تحس بضغط نفسي وانت بتطحن نفسك في الشغل وبتحسبها بالورقة والقلم، ودول بيرموا فلوسهم ووقتهم في الأرض على تفاهات.. مش كده؟
أنا مقدر شعورك جداً لأني كمان دماغي كانت بدأت توجعني من محاولة تفسير الوضع ده، بس خليني أريحك بتفسير واقعي هيغير نظرتك للموضوع ده تماماً زي ما ساعدني انا كمان افهم بالظبط ايه اللي بيحصل. التفسير ده مش بس هيساعدك تفهم ليه الناس بتتصرف كده، لكن كمان هيخليك تكتشف ليه “أنا وأنت” كمان ممكن نكون بنعمل حاجات تبدو غير منطقية!
المشكلة مش في اللي الناس بيعملوه.. المشكلة في “العدسة” اللي إحنا بنفسر بيها تصرفاتهم.
إحنا بنحرق دمنا وبنضيع طاقتنا في نقد الناس لأننا بنحكم على ظاهر الأمور بـ “معاييرنا إحنا”، وبننسى أهم كلمة بتأثر في كل سلوكياتنا وهي “القيمة”.
في السطور الجاية، أنا مش جاي أقولك كلام مثالي زي “ماتحكمش على حد”.. لا خالص انا مش واعظ اخلاقي. أنا جاي أسلمك “عدسة جديدة” لو فهمت بيها “لعبة القيمة” وإزاي بتتحسب صح، مش بس هترتاح من دوشة الناس، لأ.. أنت كمان هتبدأ تلعب لمصلحتك وتكسب بجد.
عُملة القيمة لها وجهين
عشان نفك اللغز، لازم الأول ننسف خرافة قديمة بتقول إن “القيمة في الشيء ذاته”.
الذهب مش غالي عشان هو لونه أصفر وبيلمع، هو غالي عشان الناس “اتفقت” تطلبه وتدفع فيه فلوس. يعني القيمة دايماً “نسبية” وبتتحدد بـ “الغرض”. كوباية مية ممكن تكون ببلاش، لكن ممكن تساوي كل ثروتك لو هتموت من العطش في الصحراء.
ببساطة شديدة، القيمة هي عملة ليها وجهين:
الوجه الأول: القيمة المعنوية (النفسية):
وده الشعور اللي بيوصلك لما تمتلك أو تستهلك الحاجة دي (إحساس بالثقة، الانتماء، الراحة، التميز، أو حتى الحافز).
الوجه الثاني: القيمة المادية (الاقتصادية):
وده النفع الفعلي الملموس اللي راجع عليك (فلوس، توفير وقت، زيادة إنتاجية، تحسن صحة).
خد عندك مثال “اللابتوب الجديد”:
ممكن واحد يشتريه عشان “بريستيج” قدام العملاء (قيمة معنوية: ثقة ومظهر)، بس الثقة دي هتجيبله عقود شغل أكتر (فتتحول لقيمة مادية).
وممكن واحد تاني يشتريه عشان يحفز نفسه يشتغل أكتر (قيمة معنوية)، فينتج أكتر ودخله يزيد (قيمة مادية).
إيه بقي علاقة الكلام ده بتصرفات الناس الغريبة؟
إحنا لما بنحاول نفسر سلوك أي حد، بنشوفه بس من “عدسة القيمة المادية” لأنها الوجه الوحيد الظاهر لينا. والغريب بقى إننا لما نيجي نحكم على تصرفاتنا إحنا، بنميل نشوفها بـ “عدسة القيمة المعنوية” اللي تريحنا!
تعالي نطبق الكلام ده على مشهد بنشوفه كتير وهتفهم بالظبط ايه اللي بيحصل
مقطع سخيف يحقق ٥ مليون مشاهدة
إنفلونسر واقف قدام الكاميرا بيحرك شفايفه على أغنية مش هو اللي مغنيها، فيديو بسيط ومفيهوش مجهود، ومع ذلك جايب 5 مليون مشاهدة!
أنت بتبص وتقول: “يا خسارة الوقت اللي الناس بتقضيه في التفاهه.. هو ده محتوى؟” لكن لو لبست نظارة القيمة، هتشوف مشهد تجاري واجتماعي متكامل الأركان، عبارة عن صفقة “Win-Win” بين طرفين:
الطرف الأول: المشاهدين
ليه 5 مليون بني آدم قرروا يتفرجوا علي المقطع ده؟ الناس دي مش مجانين، هما ببساطة بيشتروا “قيمة معنوية” واضحة جداً وهي: “فصلان الدماغ”.
المشاهد ده راجع من شغل طاحنه 9 ساعات، هو مش عايز محتوى تعليمي يشغل دماغه. هو محتاج حاجة خفيفة تفرز عنده شوية “دوبامين” وتديه شعور بالراحة أو الضحك ولو لثواني.
المعادلة هنا: المشاهد دفع “وقته” (قيمة مادية) عشان يشتري “شوية تشتت” يبعده مؤقتا عن الضغط اللي عايشه (قيمة معنوية). الصفقة بالنسبة له عادلة.
الطرف الثاني: الإنفلونسر
هو مش بيعمل فيديوهات عشان يتسلى، هو شايف الموضوع بـ “قيمة مادية” بحتة. هو عارف إن “الترفيه والتشتت ” سلعة مطلوبة، فقرر يقدمها بأقل تكلفة.
المعادلة هنا: هو بيبيع “تشتت” وبيقبض قصاده “شهرة وفلوس إعلانات” (قيمة معنوية ومادية).
اللي أنت شايفه “تفاهة”، هو في الحقيقة “سوق” بيتم فيه تبادل قيم بمنتهى الدقة.
الجزء اللي أنت مش شايفه في الصورة
لما بتشوف حد بيعمل تصرف يبدو ليك “سفه”، إنت غالباً بتبص على نص العملة بس (الوجه المادي اللي دفعه)، وبتقول: “ده دفع تحويشة عمره في سفرية أسبوع!”.
لكن إنت مش شايف “الوجه المعنوي” في معادلته هو.
تخيل الشخص ده كان مكتئب ومحبط، وحاسس إن حياته ملهاش معنى. السفرية دي بالنسبة له كانت طوق النجاة اللي رجعله روحه (قيمة معنوية). ولما رجع نفسيته أحسن، قدر يركز في شغله ومع الوقت سعية اتحول لقيمة مادية.
إنت كـ “مراقب” دايماً صورتك ناقصة. إنت مش عارف نوايا الفاعل ولا ظروفه. فطالما إنت مش هتشيل شيلته، ومش هتدفع فاتورته.. ريح دماغك. هو بيحسبها بمعادلة غير معادلتك، وممكن يكون “صح” جداً في سياق حياته هو.
افضل حاجه كل حد فينا ممكن يعملها هي انه يركز علي نفسه ويحرص علي اختيار القيمة المعنوية والمادية اللي تخليه ينجح في حياته. في الوقت اللي الناس بتصرف وقتها علي التشتت لانهم مش عارفين ازاي يتعاملوا بشكل افضل مع ضغوطات الحياة اليومية٫ انا وانت بنقدر نصرف وقتنا وانتباهنا علي التعلم والسعي لأهدافنا وبناء علاقات قوية تساعدنا نوصل لمستويات جديدة من الابداع وتحقيق الذات.
بص في ورقتك!
إحنا كتير بنقع في فخ إننا نضحك على نفسنا. بنستخدم شماعة “القيمة المعنوية” عشان نبرر عادات سيئة.
زي اللي بيشتري هدوم كل شوية ويقول “أصل ده بيحسسني بالسعادة”.. وهو بيضيع فلوس ممكن تغير مستقبله. أو اللي بيضيع كل يوم 5 ساعات علي السوشيال ميديا ويقول “أصل معنديش حاجة تانية أعملها”.
عشان كده، لازم يكون عندنا “فلاتر” نكشف بيها الخداع اللي بنمارسه على أنفسنا. أنا بستخدم فلترين بيساعدوني أواجه نفسي عشان أضمن إن قراراتي موزونة ويسعدني اشاركهم معاك:
أولاً: فلتر “تكلفة الفرصة البديلة”
قبل ما تصرف مبلغ (وليكن 15 ألف جنيه) في حاجة هتحقق لك قيمة معنوية، اسأل نفسك:
“هل الفلوس دي ممكن تجيبلي حاجة تانية قيمتها (المادية والمعنوية) أكبر وتدوم معايا فترة اطول؟”
مثال: بدل ما تشتري موبايل جديد عشان “المنظرة”، ممكن نفس المبلغ تجيب بيه كورس، أو أدوات تطور بيها شغلك وتجيبلك دخل إضافي؟ لو معندكش بديل جاهز في دماغك، يبقى قرارك غالباً متسرع ومحتاج مراجعة.
ثانياً: فلتر “حجم الخسارة”
عشان ما تتحولش لشخص موسوس، فرق بين نوعين من القرارات:
قرارات تبعاتها بسيطة: دي لو غلطت فيها خسارتها سهلة التعويض. (زي إنك تجرب قهوة في مكان غالي وتطلع وحشة). هنا ماتحسبهاش كتير، جرب واستمتع، التجربة نفسها قيمة.
قرارات تبعاتها كبيرة: دي الخسارة فيها بتكسر الظهر وتأثيرها بيمتد لسنين (زي قرض، شراء عربية، تجديد بيت). في الحالة دي لازم تفرمل وتحسب “الوجهين” بتوع العملة كويس جداً قبل ما تتورط.
الخلاصة:
من اللحظة دي، بطل تشغل بالك بمعادلات الناس، وركز إنك تظبط معادلتك إنت. وعشان تتحول من “ناقد” لـ “لاعب ذكي”، ابدأ نفذ الـ 3 خطوات دول:
قيّم ممتلكاتك بعدسة القيمة:
بص على موبايلك أو عربيتك. إيه القيمة المعنوية اللي باخدها منهم؟ وإيه النفع المادي الفعلي؟ (لو مفيش نفع مادي، يبقى إنت دافع تمن “رفاهية” لازم تكون عارف حدودها).
اجرد عاداتك:
راقب أهم 3 حاجات بتعملهم كل يوم (سوشيال ميديا، أكل دليفري، خروجات). هل ليهم “وجه مادي” بيعود عليك بالنفع؟ ولا هي مجرد متعة لحظية بتسحب من رصيدك؟
خدها قاعدة: أي تصرف بيقدم قيمة معنوية بس، بدون أي أثر مادي مباشر أو غير مباشر، هو غالباً تصرف في عكس مصلحتك.
فعّل المركون:
عندك كاميرا مركونة؟ لبس متخزن؟ كتب مقريتهاش؟ دي حاجات قيمتها الحالية “صفر”. شوف إزاي تقدر تخلق منها قيمة بكرة الصبح (صور بيها، بيعها، أو حتى اتبرع بيها لحد محتاج).
في النهاية٫ عدسة القيمة هتخليك تبطل تشغل نفسك بتصرفات الناس، وتبدأ تفهم تصرفاتك إنت. مش عيب أبداً إننا نشتري ‘قيمة معنوية’ ونفرح نفسنا بحاجات حتى لو بتبان للغير تفاهة، العيب الحقيقي إننا نكون مغيبين ومش عارفين إحنا بندفع التمن ده ليه ومقابل إيه.
ياريت تشاركني في التعليقات: إيه الحاجة اللي الناس حواليك ممكن يشوفوها ‘تبذير؛ أو ‘ملهاش لازمة’، بس أنت بتشتريها وأنت مقتنع جداً لأنها بتمثلك ‘قيمة معنوية ومادية’ كبيرة بتفرق في يومك؟
ده كل اللي حبيت اشاركه معاك لحد ما نلتقي في مقال جديد الأسبوع القادم إن شاء الله :)
مقالات ذات صلة:







واااو!! وربي ذي أول مرة أفكر فيها بهذه الطريقة، ومنجد؛ طريقة محكمة التفكير!
ماشاء الله كلام ولا غلطة